خط أحمر للحياة… خط أخضر للبيئة
أعرفُ جيدًا وقعَ تلك الكلمات التي تتردّد في وجهي كلما اتخذتُ خيارًا خارج سرب العادات: “ألا ترين في هذا نوعًا من المبالغة؟”
قالوها عندما قررتُ الإمتناع عن المشاركة في أذية الحيوانات، وكرّروها بصوت أعلى حين بدأت أحمل هم البيئة في تفاصيل حياتي.
في مجتمع لا يتحمّل رؤية المختلف، قرار مثل تبنّي النظام النباتي يُقابَل دائمًا بإستهزاء وسخرية. لكن ما بدأ برفض أذية الكائنات، كشف لي حقيقة أعمق:
اكتشفت أن اختياراتنا اليومية، بدءًا من طبق الطعام وصولًا إلى رفض عبوة بلاستيك في متجر صغير، هي أمور مرتبطة مباشرة بتلوّث المياه والهواء، اختناق الأنهر، إستنزاف الأراضي والمياه، وزيادة الإحتباس الحراري الناتج عن غاز الميثان
الذي تطلقه حيوانات المزارع.
هنا كانت نقطة التحوّل.
القضية الشخصية تحوّلت إلى اختبار جماعي:
هل الخطأ في من يحاول الحدّ من الضرر، أم في مجتمع يستهلك بلا حساب، ويبرّر كل تراجع بأنه قدر لا مفرّ منه؟
كلّ خطوة إضافية لفهم جذور الأزمة كانت تدفعني إلى التزام أكبر:
كلّ قرار استهلاكي، كلّ عبوة بلاستيك، كلّ عادة يومية لم تعد بريئة… حتى صارت الحياة نفسها سلسلة مراجعات للوصول إلى صفر نفايات.
كلما اقتربت من الحد الأدنى للضرر، اقتربت اتهامات “متعصبة”، “تذهبين إلى أقصى الحدود”، “الحياة لا تحتاج كلّ هذا التعقيد”.
الغريب أن كثيرًا من هذه الأحكام تأتي من مجتمع يُشرّع الاستهلاك المفرط، ويبرّر استنزاف الأرض والكائنات كأنه واقع أبدي لا نقاش فيه.
يبقى السؤال: من المتعصّب فعلاً؟
هل هو من يرفض المشاركة في دائرة الاستنزاف والتدمير اليومي، أم من يكرّس نفسه للدفاع عن عادات ثبت ضررها؟
تكرار الاتهامات كشف لي مفارقة المجتمع: من يسعى لتقليل ضرره يُتهم بالمبالغة، أما من يتجاهل الأثر الجماعي فينعم براحة الإجماع.
أمام هذا التناقض وُلدت فكرة “خط أخضر”.
في الوقت الذي تظلّ فيه القضايا البيئية في أسفل سلم الأولويات لدى كثير من الجهات المؤثرة وصنّاع القرار، ورغم وجود ناشطين وخبراء لا يتوقفون عن الدفاع عن البيئة، يبقى الاهتمام المجتمعي والإعلامي أقلّ بكثير من مستوى الأزمة التي نعيشها وتأثيرها المباشر على حياتنا.
هذه المنصة تأسّست لإعادة تعريف الحدود:
كل مجتمع يضع خطوطًا حمراء حول قضاياه المصيرية، أما البيئة فلطالما اعتُبرت في الهامش.
“خط أخضر” هو إعلان بأن البيئة يجب أن تصبح خطًا لا يمكن تجاوزه، حدّ بيئي أخير، الفاصل بين البقاء والانهيار.
تجاوز هذا الخط يعني خسارة الماء والزرع والهواء والصحة وكلّ ما يمنح الحياة معناها.
لم يعد هناك متسّع للتبرير أو الهروب، ولا مكان لصوت يختبئ خلف الأعذار.
من يملك الشجاعة ليقف أخيرًا في صف الحياة؟
ومن يعيد للمجتمع حدوده، قبل أن ينتهي كل ما يمكن إصلاحه؟
“خط أخضر” مساحة لكلّ من يرفض الصمت أمام انهيار بيئتنا، ولكلّ من يريد أن يكون جزءًا من الحل.
هنا، نعيدُ رسم الحدود معاً ومكتب قصة جديدة للحياة .
الجامعة اللبنانية - كلية الإعلام الفرع الأول
الفصل السادس - صحافة
العام الجامعي 2024 - 2025
اسم الموقع: خط أخضر
مشروع تخرج مقدم من: زينات إبراهيم ركين
إشراف: الدكتورة مهى زراقط


