يواجه جنوب لبنان أزمة تلوث التربة بمخلفات الحرب، من الفوسفور الأبيض الى المعادن الثقيلة ما يهدد الزراعة وصحة السكان ويثير قلقاً واسعاً حول سلامة الغذاء والمياه
التربة مصدر قلق
“لم أتوقع يوماً أن أخاف من لمس تراب أرضي. كنا نعتبر ملاذنا الآمن، واليوم أصبحت مصدر قلق”
بهذه الكلمات تصف الحاجة هدى مرمر من بلدة عيترون واقعاً جديدًا فرضته الحرب الإسرائيلية على الجنوب اللبناني بعد تشرين الأول 2023. لتتسع خسائر أهالي القرى الجنوبية من دمار بيوت وجرف حقولهم وبساتينهم إلى أزمة أعمق تطال تربتهم التي تعاني من التلوّث كما المياه، ما يهدد مستقبل الزراعة والصحة.
أرقام رسمية: حجم الخسائر البيئية والزراعية
بحسب وزارة الزراعة اللبنانية (تموز 2024) والمركز الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، شهد الجنوب أكثر من 812 حريقًا نتيجة الذخائر الحارقة منذ تشرين الأول 2023.
أُلقيت 284 قذيفة فوسفورية، منها 221 في النبطية وحدها، وأدت النيران إلى احتراق 7.9 مليون متر مربع من الغابات والأراضي الزراعية.
كما خسر الجنوب 60 ألف شجرة زيتون ومئات آلاف الطيور والمواشي.
هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة وتطرح أسئلة حول قدرة البيئة والزراعة على التعافي.
شهادات من الأهالي: بين الخوف على الصحة وانعدام الثقة بالمحاصيل
بين رماد المواسم المحروقة، تبرز معاناة الناس يوميًا:
وسيم من مارون الرأس: “المياه صارت مشبوهة، ولم أعد أطمئن لأي شيء يخرج من التربة”
رولا من عيتا الجبل:
“حتى بعد تحليل الزيتون والتأكيد أنه غير ملوث، لم أعد أشعر بالثقة كما في السابق”
هذه الشهادات تعكس أزمة ثقة عامة بالأرض والماء والغذاء في الجنوب.
ما هو تأثير الفوسفور الأبيض والمعادن الثقيلة على التربة والمياه؟
• الفوسفور الأبيض: ضرره سريع ومباشر، يخف تدريجيًا مع مرور الوقت أو بفعل العوامل المناخية.
• المعادن الثقيلة:(نيكل، كادميوم، باريوم، زئبق…) تبقى عالقة في التربة والمياه لسنوات طويلة، وتدخل إلى المزروعات والمنتجات الغذائية، مسببة أمراضًا مزمنة مثل السرطان أو مشاكل الكلى .
تحليل المختبرات: أيهما أشد خطرًا، الفوسفور الأبيض أم المعادن الثقيلة؟
خلال الأشهر الماضية، انشغل الناس بخطر الفوسفور الأبيض، خصوصًا مع انتشار صور الدخان والحرائق.
لكن بحسب تحاليل مختبرات الجامعة الأميركية في بيروت بإشراف الدكتور محمد أبيض، مدير مختبرات البيئة والزراعة والغذاء في الجامعة، تبيّن أن:
• تأثير الفوسفور الأبيض سريع ويزول تدريجياً، معظم محاصيل الزيتون والزيت التي خضعت للفحص كانت سليمة وغير ملوثة بنسب خطرة.
• المشكلة الأكبر هي تراكم المعادن الثقيلة (نيكل، كادميوم، باريوم، زئبق) الناتجة عن الذخائر والقصف، وهي تبقى في التربة والمياه لعقود وتشكل تهديدًا مستمرًا للصحة والزراعة.
• أبحاث مختبر AUB وجدت أيضاً مستويات مرتفعة من المعادن الثقيلة في دم سكان المناطق المتضررة، بمن فيهم أولئك الذين لا يزالون متأثرين بمخلفات الحروب السابقة، مثل حرب 2006، ما يقدّم دليلاً علمياً واضحاً على وجود صلة مباشرة بين الأراضي الملوثة ومخاطر الصحة العامة.
ويوضح الدكتور رامي زريق، أستاذ وباحث في كلية الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، أن “هناك تركيزات مرتفعة من المعادن الثقيلة في التربة، وهي مقلقة لكنها ليست الكارثة الكبيرة. صحيح أن ارتباط هذه المعادن بالقصف واضح، لكن لا يمكن إغفال دور طرق التسميد المستخدمة في الأراضي الزراعية، والتي تساهم أيضًا في المشكلة.”
وأشارت دراسة القوة الإسبانية في اليونيفيل إلى أن القذائف الفوسفورية تُنتج مركبات حمضية تؤثر على خصائص الأرض، لكن الخطر المزمن يبقى في بقايا الذخائر والمعادن الثقيلة التي تدخل السلسلة الغذائية.
خطوات عاجلة لمعالجة تلوث التربة في جنوب لبنان
بحسب توصيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن معالجة تلوث التربة في المناطق المتضررة من النزاعات تتطلب خطة علمية وعملية تشمل:
• فحوصات دورية شاملة للتربة والمياه والمحاصيل في القرى المتضررة
• تنظيف ومعالجة الأراضي المصابة وفق معايير علمية
• تعويضات عادلة وسريعة للأهالي والمزارعين
• شراكات تقنية مع منظمات دولية متخصصة في إعادة تأهيل البيئات الملوثة بعد الحروب
كل تأخير في هذه الخطوات سيعمّق الأزمة ويفتح الباب أمام خسارة أكبر للزراعة والأمن الغذائي في الجنوب.
مستقبل الجنوب بين الخطر والإهمال
لا الأرقام ولا التحاليل كافية لطمأنه أهالي الجنوب. تلوث التربة والمياه يهدد صلة الإنسان بأرضه ويعمّق حالة القلق الجماعي.
في ظل استمرار الاعتداءات على الحدود وغياب خطة رسمية واضحة، يواجه الجنوب خطر التحول من سلة لبنان الزراعية إلى منطقة منكوبة بيئيًا وصحيًا لسنوات مقبلة.



